السعيد شنوقة
353
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
نبصرها ولا نكتبها ولا نقرأها ولا نسمعها وإلا فما عسى أن يكون الذي نراه مكتوبا في مصاحف القرآن ونسمعه مقروءا إذا لم يكن هو كلام الله ؟ آمنوا أن الذي في الكتاب العزيز هو كلام الله نزل بصورته المسموعة على طريق جبريل وثبت بهذه الصورة أيضا في اللوح المحفوظ ، ويسمعه المؤمنون في الجنة من الله تعالى بهذه الصورة دون وساطة ولا حجاب . فالقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله مسموع من الله وإلا كيف نفهم قوله تعالى : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] وسمعه بلا شك من القارئ ، وقوله : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [ الفتح : 15 ] ثم إن الله تعالى قال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] . وقال عز وجل : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء : 192 - 194 ] . والقرآن المحفوظ في صدور ذاكريه ، رووا أن ابن مسعود قال : « قال رسول الله : « استذكروا القرآن فهو أشد تفصيّا « 1 » من صدور الرجال ( من النّعم ) من عقله » « 2 » . وكلام الله مكتوب في المصاحف مشاهد بالأعين ، قال تعالى : وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [ الطور : 2 ، 3 ] . ولا تنفك بعض الألفاظ التي يوظفها الزمخشري في تفسيره من الإشارة إلى أن كلام الله حادث مخلوق يدل عليه قوله : « هذا المتلو عليهم ، وقد عجزوا عنه من آخرهم » « 3 » وسيظهر لنا ذلك بعد التنبيه إلى النزاع في عهد المأمون والمعتصم والواثق ، كان محصورا في خلق القرآن بين فرقة تقف عند القول : القرآن كلام الله كما قاله تعالى في كتابه ، يقفون عند النص ، ولا يتأوّلونه . وفرقة ترى العقل البشري ذا سلطة ومجال واسع يمكنه من البرهنة حتى على ما يتعلق بالله تعالى ، فلم يكن للعقل بحسب هذه الفرقة حدود غير براهينه ولا خطأ له طالما كان
--> ( 1 ) أشد تفصيا : أشد خروجا . انظر محمد صديق حسن خان القنوجي ، قطف الثمر في بيان عقيد أهل الأثر ، تحقيق د . عاصم بن عبد الله الفريوني ، دار الإمام مالك ، الجزائر ، ط 2 ، 1414 ه ، ص 69 . ( 2 ) انظر م ن ، ص 70 ، هامش 147 - 146 . ( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 96 .